حين نتأمل في جفاء ساكن الصحراء من حيث عدم المبيت بجانب زوجته , ومن حيث ترك والده أو والدته حين يصلان إلى أرذل العمر , إذ يتركهما في مكانهما أحياء بعد أن ينتقل إلى مكان آخر , فتأكلهما السباع حتى العظم .
في المجتمع المدني نجد غياب الحب والعاطفة تشيع فيه , ونجد الفتاة إما أن تعصم نفسها فلا تحاكي أحدًا , ولا تمكن الآخرين من رؤية وجهها , وإما أن ترضي الآخرين حين تعاكسهم فتقع في حب الخلسة , وتقع في حب من ينتظر منها قضاء حاجته ثم يلفظها لفظ النواة .
لو كانت الفتاة تحسر عن وجهها بمعنى غير متحجبة ؛ لتعرفت إلى شاب تألفه ويألفها , فالأرواح جنود مجندة كما في الحديث , فإذا تعرَّف إليها الشاب تمسك بها , وعزم على الارتباط بها من خلال رباط الزواج , لكننا في مجتمعنا نجد أن الحسر عن الوجه محرم , فيكون الشاب المتعرف إلى الفتاة يعاكسها لقضاء حاجته منها , أما أن يرتبط بها فهذا محال ؛ ذلك لأن الشاب يدرك أن الفتاة المعاكسة مخالفة لمجتمعها , والشاب يأنف من الارتباط بها تبعًا لعادة المجتمع , فهو لن يثق بها حين كانت مستودع أولاده وشرعيتهم بالنسبة إليه .
لذلك نحن في جفاء وغلظة في الطبع في كل شيء , قلما نقيم وزنًا للعزاء , وقلما يشيع الحب بين أبنائنا , وقلما نجد تلك الأخلاق الطيبة في الشباب خاصة , فهم تبع لهذا الجفاء الناشئ عن تغييب الفتاة , وعدم إظهار صورتها الجميلة كيما يراها الرائي لينبعث فيه ألق الحب والعطف والحنان .
حين تغطي الفتاة وجهها فإن الحنان ولين الطبع يقل في الرجل , ويخفت خفوتًا عجيبًا في الفتاة , فالرجل يرى أنه أمام جسم أسود من شعر رأسه إلى أخمص قدمه , والفتاة ترى أنها مسلوبة الحق في التعبير عن جمالها وحسن صنع الله حين أعطاها ما لم يعطه غيرها .
ينعكس هذا على المجتمع ككل , حيث قلما نجد آيات من العطف والحنان تعيش بين أفراد المجتمع , بل نجد صورًا ميتة , وصورًا معطلة , وصورًا غائبة عن أبناء الجيل الواحد , فيكون الجفاء والغلظة من طبيعة المجتمع في التعامل فيما بينهم , وفيما بين غيره من المجتمعات الأخرى , كما نجد غياب الألفاظ الجميلة المعبرة عن جمال الروح في لهجتنا الدارجة , فمن تأمل في كثير من لهجتنا وجدها لا تشتمل على ألفاظ تدل على الحب والحنان .
ومن العجب أن القواعد من النساء وهن الكبيرات في السن يجوز لهن كشف الوجه , لكن جفاء المجتمع وغلظته صيرها كالفتاة من حيث التحريم , ولولا ذلك الاختلاف في تحريم كشف الوجه للفتاة ؛ لحل محل الجفاء والغلظة حبٌّ وعواطف جميلة بين أفراد المجتمع , ولشعرت الفتاة بأنها ملهمة الحب والحنان والعطف للآخرين .