عندما اقتادتني " الجزء الثاني "
لمن أراد قراءة الأجزء الأول هنا
... أنا : كرستينا أحضري ما تريدين أن أساعدك في حمله سأكون بانتظارك قرب الباب
كرستينا : إنها ثقيلة لا أقوى على حملها لوحدي تعال بسرعة الوقت يمضي
وكلت أمري لله وأنا أبتهل له أن يكلأني بحفظه وأن يحوطني بعنايته
دخلت الغرفة وإذا بي أفاجأ بها وقد أحالت غرفة النوم لمرسم ومطبعة
ففي كل شبر توجد لوحة قد كتب عليها جملة غضب
US/UK OUT OF IRAQ
CANADA OUT OF AFGHANISTAN
STOP THE ISRAEL WAR DRIVE
أنا : ما هذا يا كرستينا ؟ ما الذي تقومين به هنا ؟
كرستينا : في الحقيقة أنا ناشطة ضد الحرب كـ إنسان محب للسلام أعبر عن رفضي لهذه الحروب التي تجري بالعالم ولمنطلق إنساني فحسب
فأنا لا يمكن أن أقف مكتوفة اليدين وأنا أرى الألوف يومياً يقتلون تحت أعيننا ولأطماع سياسية
توقفت أنا مشدوهاً للحظة
ما هذا الحظ العاثر الذي قادني إلى هنا !
ناشطة وحرب وقتل ورفض وسياسة ومصائب لا أدري من أين جاءت ولكنها أتت
ما الذي أفعله الآن مع هذه المصيبة التي وقعت بين يدي
أأشكر أم أكفر أم أعض ثوبي وأولي هارباً إلى حيث لا أدري ولكن أهرب ؟
لحظات سريعة كنت فيها ألوك أفكاراً بائسة كبؤس الكثير مما نعتقده
لم تنتظر كرستينا مني رداً فقد كانت مشغولة بجمع اللوحات بأعوادها ليأخذ كلٌ منا نصيبه في الحمل
أنا : كرستينا هل تقصدين أنني سأحمل هذه اللوحات معك ؟
كرستينا : بالتأكيد
أنا : وهل يعني هذا أنك تخططين لعمل مظاهرة مثلاً ؟
كرستينا : طبعاً , وستكون مظاهرة حاشدة كما أظن
أنا : عفواً ولكن أنا لم أفعل ذلك قط في حياتي
ولم أتجرأ قط في حياتي على قول رأيٍ كهذا
وقد تربت حتى القطط في ديارنا على أن للجدران آذانٌ تسمع
وبأن السلامة خير للإنسان من الكرامة
وأن العيش مطأطأ الرأس خير من العيش مرفوع الرأس خلف القضبان أو معلقاً على حبل المشنقة
هي هبال يا كرستنا ؟
كيف تطلبين مني حمل لوحات كتب عليها مثل هذه العبارات
أنا لا أجرؤ حتى على حمل قرطاس قد يكتب أحدهم عليها بعد مئات السنين مثل هذه العبارات
فكيف بي أنقلها لمقر المظاهرة وأشارك في المظاهرة وأندد بالحرب هذا تجاوز على الذات المباحثية وعلى كل الذوات الحية وحتى التي شبعت موتاً هناك
كيف تطلبين مني أن أهدر شبابي لرفض ما يقع على الآخرين من حروب وتقتيل وما دخلي أنا
كرستينا : لماذا أنت خائف و مرعب لهذه الدرجة
هل لديكم كبت للحريات يجعلك تخشى المظاهرة إلى هذا الحد ؟
قلت وأنا أنظر في كل النواحي : لا على العكس تماماً كل شيء يسير حسب الأصول وكل ما يحدث لدينا أصوب الصواب
كرستينا : إذا لماذا أنت خائف و كأنك تتحدث عن بعبع وليس مظاهرة
ثم هؤلاء إخواننا بالإنسانية
ليه هو ما قال لكم منصور ؟
ألسنا نحن جميعاً أبناء آدم فكيف نسكت عن قتل إخواننا ؟
ألا نتشارك سوياً في هذه الحياة , في القيم الكونية , في أصل الخلق
و الكثير من الروابط التي تربط بيننا
كيف تتخلى عن الآخرين حتى بأبسط حقوقك برفض قتلهم وتخريب بيوتهم خوفاً من بطش أحدهم أو رهبة زُرعت فيكم صغاراً
على الأقل أنت هنا ببلد حر تكفل لك حقوقك بقول ما تشاء ورفض ما تشاء
ثم إن هذه الدول التي نتظاهر لأجلها أظن أن الديانة الأولى فيها الإسلام
إذاً فبينكم رابط الدين كذلك كيف لشخص مثلي غير مسلم أن يقوم بهذه المظاهرة ويدعوا لها من أجل المسلمين الذين تتخاذل أنت عن معاونتنا على رفض الحروب التي تقع عليهم
كن شجاعاً وحراً واصدح برأيك بكل شجاعة ولا تخش أحداً
إننا نحاول أن نعبر للعالم أننا نرفض هذه الحروب التي يذهب ضحيتها الآلاف
إننا نحاول أن نُشعر من تقع عليه هذه الحرب أن هناك من يشعر فيهم ويحس بمعاناتهم
إننا نحاول أن نرفض قتل الملايين بلا ضمير وبسبب أطماع سياسية قذرة
إننا نحاول أن نقول للعالم كفى قتلاً كفى تدميراً كفى عداوة
إننا نحاول أن نقول للعالم دعونا نعيش بسلام وبأمان سوية كإخوان من أب وأم واحدة
إني أحاول أن أقول وأنا من أم أمريكية أنني لا أؤيد ما يحدث لهؤلاء فليس كلنا بوش
نظرت إلي نظرة أسف على حالي فطأطأت رأسي بعدها وحملت ما في يدها من لوحات وتوجهت نحو المصعد
كان درساً قاسياً جداً تلقيته من الرقيقة كرستينا
كم شعرت بالخجل من نفسي وكأن هناك شيء بداخلي يصرخ بأعلى صوت
أهذا يا زمان أنا ؟ أنا ؟ أنا ؟
تبعتني كرستينا وقد أحاطت عنقها بشال فلسطيني
أوه كم درساً تريد أن تلقنني هذه الـ كرستينا
طوال الطريق كنا صامتين حتى وصلنا لموقع التظاهر

وإذا بآخرين يعملون كخلية نحل كلٌ يعمل في مجال
فهذا يجمع الناس ويخبرهم لماذا هم هنا و ما هي رسالتهم
وآخر يقوم بجمع معلومات عن الحاضرين وطرق التواصل معهم
وثالث يحاول جمع أكبر قدر من الصحفيين
ورابع يتأكد من صلاحية أجهزة الصوت ومدى جاهزيتها
كان الجميع يعمل بكل حماس وكأنها قضيتهم الأولى وكأنك ترى تصوير مشهد تمثيلي لحديث المصطفى - عليه الصلاة والسلام - " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه "
أنزلت ما حملت من لوحات
رحب بي الجميع عند رؤيتي وشكروني على تقديم المساعدة
استأذنت من كرستينا لأنه قد حان موعد صاحبي
شكرتني كثيراً وطلبت مني رقماً للتواصل وبكل سرور أعطيتها رقمي
ودعتهم جميعاً واتجهت لمكان الموعد الذي حان فعلاً وكنت شارد الذهن أقلب فكري بين عدة رؤى أيها أعتنق
وصلت للمكان المحدد والذي كان بجوار الكنيسة
جلست على إحدى عتبات الكنيسة منتظراً وصول الزميل القادم للدراسة
انتظرت قرابة النصف ساعة قضيتها كاملة بالتفكير بهذه الـ كرستينا
ولكن لم يأتي صاحبنا
حاولت الاتصال به ولكن كان جواله مغلقاً
انتظرت بقية الساعة وأيضاً لم يأتي أحد
فعدت خائباً من ذات الطريق فمررت بمكان المظاهرة ورأيت النسمة كرستينا مشغولة في الصراخ والتنديد ومحاولة استدرار تعاطف الحاضرين للقضية التي تناضل من أجلها
فحدثت نفسي أن هذه المظاهرات لا تسمن ولا تغني من جوع ثم أنهم فارغون يقومون بمثل هذه المظاهرات بكل انبهار وكأنهم توصلوا لقيم لم يصلها أحد قبلهم
وكأنهم فعلاً يهتمون بالآخرين ثم أن هذه الطرق لا يلج إليها إلا من لا يستطيع أن يعمل لمن فقط يجيد الصراخ ثم أننا نحن سبقناهم بالأخلاق ومفاهيم التكاتف والأخوة والقيم
ثم إنه ليس لدي فتوى مختّمة تجيز مثل هذه الأنشطة ثم أن هؤلاء كفاراً لا يجب أن نعجب بهم ثم أني صفعت نفسي وقلت يالسخافتك
اقتربت بخوف وخجل للمظاهرة أنظر في عيون الآخرين خوفاً من وجود أحد هنا وبصحبته جهاز إرسال لا سلكي أو سلكي حتى
اقتربت أكثر وأكثر حتى اقتربت ناحية كرستينا
أعطت صاحبها اللاقط وطلبت منه أن يكمل ما بدأته
ثم ذهبت وأحضرت لوحة صفراء جميلة كتب عليها وبخط اليد
Stop The War
قدمتها لي مع ابتسامة أحببت المظاهرة لأجلها
وقالت : هذه صنعتها بيدي وتستحقها أنت
خصوصاً أنك لن تخشى شيئاً فأنت بها ترفض مبدأ ولا تعني أحداً
وأردفت : ماذا عملت مع صاحبك هل أخرتك عن الموعد ؟
أنا : لا أبداً لكنني استأذنته لأشارك معك بالمظاهرة
شكرتني بطريقتها الخاصة
وعادت لتكمل عملها بكل خفة وحماس
عندها همست في سري : استأذنته يا مفتري
رفعت شارة رفض الحرب ورددت معهم عبارات الرفض وحتى العبارات التي لم أميز معناها
قضيت معهم حدود الساعة ثم انطلقت لأسلم العهدة لصاحبتها
اقتربت من كرستينا وشكرتها على دعوتي للمشاركة كما شكرتني على الحضور ثم ودعتها
ابتعدت قليلاً عنهم فلوحت لي بيدها من بعيد مع ابتسامة لا تقل سلباً للعقول عن سابقتها
وأرسلت لي قبلة في الهواء احمرت على إثرها وجنتاي فأعدتها لها وأقفلت عائداً لمحطة القطار
عدت إلى حيث المنزل الخشبي الذي عشت فيه قصصاً من نوع آخر

وبعد أن حل المساء وحان موعد رقدتي رن الهاتف
وإذا بالمتصل صاحبنا الذي أخلف موعده
صاحبي وبلسان ثقيل : مرحبا
أنا : وعليكم مرحبا
أين أنت يا أخي ؟ ساعة كاملة وأنا أنتظرك ولم تأت وجوالك مقفل أين كنت ؟
صاحبي : معذرة فقد شربت البارحة كثيراً وكان ذلك آخر الليل فلم أستيقظ إلا الساعة
أنا : حسناً أنا أريد أن أنام تصبح على خير
وأنهيت المكالمة
استلقيت على الفراش وتقلبت بعدها ساعتين كاملتين ولم يقترب مني النوم
فقد كانت كرستينا حاضرة طوال الوقت
كرستينا التي قالت لي أنها كانت تعمل على تجهيز هذه اللوحات حتى منتصف الليل
بينما كان صاحبنا محلق في السماء تلك اللحظة وربما كان يحضن إحداهن
في هذه الأثناء وصلتني رسالة على هاتفي الخلوي
" الآن استلقيت على فراشي بعد عناء يوم حافل
بكل أجزائي أعتذر إليك عن ما قلته لك اليوم
وأشكرك جزيل الشكر على ما قدمته لي من خدمة
أسعدني حضورك معي وتشجيعك لي
كرستينا . "
ارتسمت ابتسامة على وجهي ثم أسلمت نفسي لنومٍ عميق .
ما قبل النهاية
* القصة امتزج فيها الخيال بالواقع ولكل شيء أصل .
* هذه المذكرة وأخت لها كتبن فعلاً في مدينة فانكوفر الكندية .
* أنتظر تعليقاتكم على هذه المذكرة سواء الأحداث أو الأسلوب أو حتى الشخصيات .
* أرحب بالنقد بكل أنواعه .
النهاية