[align=center]أذن ( أبومحمد ) لصلاة الظهر ، ولم يكن قد تغير أي شيء على أدائه المعروف ، فصوته مبحوح ، ويمد في نهاية لفظ الجلالة ، ويقطع بحدة في نهاية ( أكبر) ، ويدير وجهه يمينا وشمالا عندما يصل إلى ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) وكان ينهي هذه المقطوعة الروحانية برفع صوته جدا بـ(لاإله إلا الله ) ولكنه كان يمد لفظ الجلالة ويبدأ بخفض صوته حتى يختفي ، كان يفعل ذلك كله ويداه في أذنيه ، مستقبلا القبلة ، واقفا فوق ( حصاة ) أو مرتفع بسيط ، ولكن صوته كان مسموعا جدا إلى كل أهل ( الخب) .
كنت مع أخي في أقصى المزرعة ، وما أن سمعنا الأذان حتى وضعنا ما بأيدينا وتوجهنا إلى ( أقرب ساقي ) ثم ( كرعنا ) لنشرب أولا ، ثم توضأنا ، سبقني أخي إلى المسجد ، وسبقته إلى البيت بصفتي الأصغر ( وهذا ترتيب معتاد بين الأخوة بهدف معرفة إذا كان أهل البيت بحاجة إلى شيء ) ، لحقت بأخي في المسجد ، وقبل أن تقام الصلاة لاحظ الجميع ( أبو سليمان ) يجلس في ( الروضة ) و يلتفت يمينا وشمالا ، كأنه يتفقد المصلين ، وكنا نعرف أنه ( إلتفت ) بصوته ، إذ أنه يقرأ القرآن ثم يلتفت فنسمع صوته توجه يمينا أو شمالا ...
صلى بنا ( المطوع ) ولما سلم وفرغنا من الصلاة ، لم نكن نستطيع سماع أي شيء غير التهليل والتكبير ، ولما هدأت الأصوات ، قام ( أبو سليمان ) أمام الجميع ليقول : ( ترا اليوم القهوة عندنا بعد العصر وننكمل قهوتنا عند ابو حمد نبي نزوج إبراهيم ولا يتخلف أحد منكم ولا تصيفون علينا ماحنب محترين أحد ) ...
نعم .. كانت هذه الكلمات عبارة عن ( عزيمة عرس ) بسيطة ، وسريعة ، ومفاجئة ، ولكنها مليئة بالصدق ، وممتلئة بالوفاء ، وكانت دافئة ، ولها مذاق نفتقده كثيرا الآن .
كان الترتيب يقتضي أن يذهب رب الأسرة فقط ، وإذا تطلب الأمر أحد أبنائه معه ، وذلك لقلة ذات اليد ، ولتخفيف الأعباء على أهل الزوج والزوجة ، فضل والدي أن أذهب معه لأكون ( ملحاق لو يبون شي ) ، فلما صلينا العصر ، عدنا إلى البيت ولبست ثوبي الخاص بالمناسبات ، ثوب يصل إلى نصف ساقي أو أطول بقليل ، و أكمامه تغطي الأغلب من ساعدي ، كان من الصناعة الصينية ، ( نيلي بالحيل ) ، وكانت والدتي قد غسلته لي قبل حوالي شهرين ( بالساقي ) ( تكثح عليه من الصابون لين نظف ) .. كنت قد أخرجته من ( الخزنة ( فلبسته ( بعرافيطه ) ثم وضعت ( طاقيتي ) على رأسي ، وتحركت إلى والدي وكان عمري ساعتها قرابة ثلاثة عشرة سنة ، نظر إلي والدي بعين ٍ حادة جدا وانتقاد شديد ( هو أنت المعرس ؟ واللي تبي أبونشقه مايخليك ترجع للبيت ؟ ) ( يقصد واحد نحوت !! ) رجعت مسرعا وغيرت ثوبي بثوب آخر ، لا يختلف عنه سوى أنه أقل طولا وأقل نظافة و ( مشسف ) ...
لحقت بوالدي مع عمي ، وسرت خلفهما حتى وصلنا بيت ( أبو سليمان ) كان الجميع وقوفا ، ( وما أبطينا ومشينا ) ، ووصلنا قريبا من أهل العروس وبالتحديد إلى بيت ( أبو حمد ) ولكن قبيل وصولنا وقف ( أبو سليمان ) وابنه إبراهيم (بريه العريس ) .. واتضح أنه يدور حوار ساخن جدا ، تدخل إخوته ، ثم سمعت ( أبو سليمان ( ينادي على والدي باسمه ، ذهب إليه والدي وكنت خلفه تماما ( أحب الشرافه ) ، قال ( أبو سليمان ) : ( شف هالحمار الأدرع يقول إني ما ابي العرس واني منب داخلن معكم ) التفت إليه والدي وكان مقدرا وله مكانته الخاصة : ( يا بريه هو أنت ما بك احراك ؟ والا طرا عليك شي ٍ جديد والا عطنا علمك الجماعة يحتروننا وهالشغل هذا مهب شغل رجال ويبي يفشلنا كلنا ) كان ( بريه ) واقفا بصمود وخوف وهلع وحياء وشجاعة ، ( ولاأعرف كيف اجتمعت هذه الأشياء في وقت واحد ) .. اتضح لوالدي ووالده أن الحالة ميؤوس منها ، رجع والدي ( للجماعة ) الذين حضروا مع ( العريس ) وكانوا قرابة ( أحد عشر رجلا ) من غير إخواته الثلاثة .. وكانوا قد علموا بالموضوع ولم يتدخلوا ، شرح والدي الموضوع عن ( أبو سليمان) وسأل ( الربع ) ( وش الحيلة والسواة ) ، ولإن ( المطوع موجود فليس لأحد الحق في الحديث قبله احتراما ) قال ( المطوع ) : ( وش راي الاخوان ؟ ) كان من بين الحاضرين ( أبو علي ) وابنه ( دريحم ) ، قال ( أبو حرمل ) بحزم : ( كان الولد ثلجتن ماعت بيديكم وماله شف ابد فعندي لكم شور .. نبي نخلي ( دريحم ) بدل ( بريه ) إذا وافقوا أهل البنت وبالنسبة للمهر اللي دفعه ( ابوسليمان ) نرده له إن شاءالله بس على السعه !... )
كان ( أبوسليمان ) قد حضر ، واستشار ( المطوع ) برأي ( أبو حرمل ) فرأى أنه أنسب ما يكون ، واختاروا مرة أخرى والدي ، ليسبق ( الجماعة ) وينسق مع والد ( العريسه ) ، لما وصلت مع والدي استقبلنا الرجل ( ابو حمد ) بترحاب مليء بالتساؤل عن ( الجماعة ) ، إلا أن والدي لما فرغ من السلام على الموجودين قال ( يابوحمد تراي سبقت الربع أبي أشوف كانكم تحتاجون شي ، وابيك ترخص لي عقب العشاء منب تانين – محتري – صلاة المغرب ) فهم ( أبو حمد ) أن والدي يريد تقديم عذر ولكن ليس على الملأ .. مسك يد والدي وابتعدا قليلا ، وهناك ( حيث لم أسمع شيء ) جلسا تحت ( أثلة ) قريبة ، والكل منهما ( مبوبز ) وتحدثا ، قام ( أبوحمد ) وتوجه إلى بيته ، وكان واضحا ما يعتصره ، وقربت من والدي فطلب مني الابتعاد حتى يناديني ، وماهي إلا خمس دقائق تقريبا حتى عاد ( أبوحمد ) وقال لوالدي من بعيد : ( لا يصيفون علينا جماعتكم ترا عشانا زاهب ) ، طلب مني والدي الركض سريعا ( لجماعتنا – أهل العريس اللي قاعدين تحت اثلة مهب بعيدة ) لتأكيد حضورهم ولما وصلت كان ( المطوع ) يقرأ عليهم من كتاب ( الأصول الثلاثة ) .. قلت ( للمطوع ) : ( يقول أبوي يستعجلون على مايبون ) .. كان نقلا حرفيا ..
( فصخ ) المطوع ( بشته ) وأعطاه ( دريحم ) - الذي لم يفق حتى الآن من سكرة الموقف ! - قال : ( تلفلف بهالبشت وامله وانا عمك ترا المرجله بالعرس والمرجله الصدقية بانك تعامل المره زين ) .. أتذكر حتى الان ثوبه الذي كان يلبسه كان رثا ( منشقة مخباته الفوقية ) وكان ( دريحم ) أسمر الوجه ، مقطب الجبين ، له شفتين مفتوحتين باستمرار ، وكنا جميعا ( نعلق عليه ابو ركبه ) لأن ركبتيه كانتا كبيرتين .. ولكنه بحق كان سباحا ماهرا في ( القلبان .. يطب راس ) ..
تخلف إبراهيم عن المجموعة ، ووصلنا هناك ، حيث تم عقد النكاح ، ثم شربنا القهوة فالعشاء الذي لم يكن سوى ( حلتين مطازيز ) ، وحتى اليوم وأنا كلما رأيت ( دريحم ) وإذا بدهشته لم تزل على وجهه !! حيث فجأة تحول من مدعو إلى ( عريس ) ! ولا أستبعد أن بعد شفتيه عن بعضهما لم يكن منذ خلق بل من تلك اللحظة التي دهش فيها ، ولم يكن له أي ( دخل ) بالقرار الحاسم الذي اتخذ بحقه !
أتذكر فقط مما أتذكر .. أن ( دريحم ) جلس أسبوعين عند أهل الزوجة حتى يتم تجهيز ( الروشن ) له .. مع أن العادة كانت تقتضي فقط أن يجلس الزوج أسبوعا واحدا فقط ... !
بعد ثلاث سنوات على هذا الزواج ، رزق ( دريحم ) بطفلين ، وكانت حياته هادئة وسعيدة شأنه شأن أقرانه ، فلم يكن في ذاك الوقت مشكلات اجتماعية ( وحريمن يتهددن ) ، لذلك كان الاستقرار ملكا على قلوبهم
نهاية .....
لأن الناس في ذلك الحين لا يركزون على جمال المرأة أبدا ، بل يركزون على رجولة أهلها ، وسمعة والدتها ، كانت الناس تحرص تماما على أن تكون سمعتها طيبة للغاية ، لأنه يدركون أن سوء المعاملة قد يجعل من بناته وأولاده ضحية ....
ليس الأهم كم مقدار جمالها ، بل الأهم كيف تربت الزوجة .
الموضوع القادم ( زواج قايم قاعد ) !![/align]