المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نفح طيب من غصن الأندلس الرطيب ..


ماجد الأول
15-08-04, 04:43 pm
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف خلق الله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه… وبعد ...

فلقد أمتد العصر الأندلسي لما يزيد عن ثمانية قرون، وتعددت ظواهره وأحواله في شتى مجالات الحياة. وعند النظر إلى مجال الفكر والأدب على وجه الخصوص، فإننا نجد أن الأدب الأندلسي قد تعددت أشكاله وفنونه، وموضوعاته. منها ما كان موجوداً من قبل، فحفل به الأندلسيون وطوروه. ومنها ما ابتدعه الأندلسيون وابتكروه ليصير فنـًا من فنون الأدب العربي.

ومن تلك الفنون التي امتطى الأندلسيون صهوتها وطوروها واهتموا بها موضوع شعر الطبيعة. الذي كان صدىً طبيعياً لما تميزت به الأندلس من جمال في الطبيعة بأنواعها: الحية، والصامتة، والصناعية المتمثلة فيما أبدعته يد الإنسان من قصور ومدن وعمران.

أهمية دراسة الأدب الأندلسي بشكل عام تكمن في تلك الحضارة الإسلامية التي بلغت الآفاق، وعمّ نورها أرجاء أوروبا بعد أن كانت غارقة في ظلام دامس، حيث جاء الإسلام لينير تلك البقعة المظلمة، فبرز علماء ومفكرون مسلمون في شتي العلوم والمعارف. أخذوا يعلمون، وينيرون ظلمه الجهل حتى أشرق الأفق وأنداحت الظلمة. وكان من بين من درس على أيدي علماء المسلمين بعض الإفرنج من أوربا، الذين انصرفوا بعد أن نهلوا من العلوم الإسلامية ليدَرّسوا في بلادهم حتى طوروا أنفسهم، فوصلوا إلي ما وصلوه إليه.

وشعر الطبيعة لون شعري لم يلتفت إليه الباحثون إلا حديثاً، حيث لم يكن يعد قديماً فناً يستحق أن يُدرس مستقلاً بذاته، وإنما كان يعد فنا يُدرج تحت باب الوصف، الذي كان يتداخل مع معظم أغراض الشعر من: مديح ورثاء وهجاء. لذا فإن المراجع التي يمكن الاعتماد عليها في مثل هذا الموضوع قليلة أو غير متعمقة.

وهنا في هذا الموضوع سأتطرق إلى موضوع شعر الطبيعة في الأدب الأندلسي، والذي هو بمثابة نفح طيب وصلنا من عود الأندلس الرطيب، لايمكن إغفاله أو غض الطرف عنه، وهو جدير بأن يقرأ فيه لا سيما أن الموضوع محبب وقريب إلى الأنفس. وسيكون الموضوع على عدة أجزاء أرجو أن أوفق فيها وأن تجدوا فيها ما يفيد ويمتع.

وقد اعتمدت في هذا الموضوع على عدد من المراجع ألفت حول الأدب الأندلسي، وحول شعر الطبيعة. ومن باب الاختصار لن أضع هوامش لهذا الموضوع. إلا لما أراه يفيد. وسيكون ترتيب الأجزاء على النحو التالي:
1. مقدمة عامة.
2. الروضيات.
3. الزهريات.
4. الثمريات.
5. المائيات.
6. الثلجيات.

وهذا التقسيم ( الروضيات،...إلخ ) هو ما اعتمده الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه: الأدب الأندلسي، موضوعاته وفنونه. وهو تقسيم يناسب الموضوع، لأسباب سأذكرها لاحقا.

للموضوع بقيّة ..
لكن .. هل لون الخط ونوعه وحجمه مناسب ؟

الشجيّ
15-08-04, 04:57 pm
مناسب جداً جداً جداً <<< متابع :)

ماجد الأول
15-08-04, 11:28 pm
تسعدني متابعتك :)
[line]
( 1 )
شعر الطبيعة الأندلسي ( مقدمة ) :-
يعرّف شعر الطبيعة في العربية بأنه: الشعر الذي يصور الطبيعة الحية والصامتة كما تمثلتها نفس الشاعر وصورها خياله. ( 1 )

وباب الوصف عند العرب من أكبر فنون الشعر وأغراضه، إذ إنه يدخل في جميع أغراض الشعر الأخرى، وقلما نرى قصيدة في الوصف حصراً، إلا في المقطوعات الصغيرة.

وإذا كان الشعر صدى للبيئة المحيطة بالشاعر، وتصويراً لها. فلقد كان من الطبيعي أن يبرع الأندلسيون في شعر الطبيعة بالذات؛ لأن الله حبا بلادهم من السحر والفتنة والجمال ما حرم منه بلاداً كثيرة، لذا فقد تأثر معظم الشعراء الأندلسيين بالبيئة الأندلسية الفاتنة، مع تفاوت في حجم هذا التأثر .

وكان النقاد القدامى قلما يخضعون هذا الموضوع – شعر الطبيعة - تحت دراستهم ورعايتهم الخاصة أو يفردونه بالبحث والعناية بل إنهم لم يكونوا يعدون الوصف من أغراض الشعر الأساسية. كالغزل والمدح والرثاء. ولعل المبرر لهذا هو أن الوصف ممتزج في جميع موضوعات الشعر لهذا رأوا أنْ لا حاجة لإفراده بالدراسة.

والمتأمل للشعر العربي في الأندلس يجد أن الشاعر الأندلسي كان مرناً في التعامل مع بيئته الجديدة وطبيعة بلاده الساحرة. وقد انفرد شعر الطبيعة عند الأندلسيين بمميزات خاصة. ولهذا يمكن القول إن شعر الطبيعة على وجه الخصوص صار له شأن عند عرب الأندلس لم يكن له مثيل عند نظرائهم الشرقيين، وهذا كله رد فعل طبيعي لمؤثرات البيئة، وما تميزت به بلادهم من طبيعة خلابة جعلت قرائح الشعراء تجود بأعذب الشعر.

هذا ابن خفاجة يصف الأندلس متحدثا بلسانه ولسان الأندلسيين يقول:


إن للجنة في الأندلس = مجتلى حسن وريا نفس
فسنا صبحتها من شنب = ودجى ظلمتها من لعسِ
فإذا ما هبت الريح صَبا = صحت: وا شوقي إلى الأندلسِ
والشعراء الأندلسيون لم يغادروا شيئاً صغيراً أو كبيراً من الطبيعة الحية أو الصامتة إلا انفعلوا به وجسدوه في صورة شاعرية عذبة، وأطالوا النظر في جزئياته، وأسبغوا عليه من ألوان البديع، وأكسبوه وصفاً يفوق الخيال في الروعة والجمال.
ولقد تناول الشعراء الأندلسيون الطبيعة ووصفوها في صورة حية، لا تراوح مكانها عند ذلك الوصف الجامد، الذي لا حياة فيه ولاحركة، بل تتعداه إلى أبعد من ذلك، فوصفوا الرياض وأنوارها والحدائق وأزهارها، بل إنهم أنطقوا الأزهار فتفاضلت، وأجري الثناء على لسانها فمدحت. ومن ذلك قول الجزيري على لسان بهار المنية العامرية:


حدق الحسان تُقر لي وتغار = وتضل في صفتي النهى وتحار
طلعت على قُضُبي عيون كمائمي = مثل العيون تحفها الأشفار
وأخص شيء بي إذا شبهتني = درر تنطـَّـق سلكها دينار
أهدى له قضب الزمرد ساقه = وحباه أنفس عطره العطار
أنا نرجس حقاً بَهرت عقولهم = ببديع تركيبي فقيل بهار
يرى عدد من الباحثين أن شعر الطبيعة في الأندلس قد نماء وتطور وتعددت أغراضه بعد نضجه في المشرق، حتى أن الدكتور أحمد هيكل يرى أن تأثر الأندلسيين بالصنوبري، وهو أكبر شعراء الطبيعة في المشرق، ووقوفهم على شعره كان من أسباب نضج شعر الطبيعة الأندلسي في القرن الرابع وما بعده. ويجمع عدد من الباحثين أن بداية نضج شعر الطبيعة الأندلسي كانت في القرن الخامس الهجري، حيث ظهرت موضوعات شعر الطبيعة ومجالاته من روضيات وزهريات ومائيات وثلجيات وثمريات.

ويطالعنا بعض الباحثين بآراء متضاربة حول أفضيلة شعر الطبيعة المشرقي على الأندلسي أو العكس. فالبعض يرى أن المشرقي هو الأصل ولا ينظرون إلى الأندلسي سوى أنه تابع للمشرقي متأثر به، وإن كانوا لا ينكرون تفوق الأندلسي من ناحية الكم.

إلا أن الأرجح أن الأندلسيين فاقوا المشارقة في شعر الطبيعة في الكم والكيف، وأخذوا في التوسع والتنويع في موضوعاته، كما أنهم تميزوا في دقة التصوير، وكانوا أكثر براعة وروعة. وإن كان فضل شعر الطبيعة المشرقي على الأندلسي لا ينكر، من حيث التمهيد له، حيث انطلق شعر الطبيعة الأندلسي بعد أن أخذ أصوله من المشرق إلى آفاق واسعة، وطرق مواضيع طريفة لم تطرق من قبل، وهذا ما سأوضحه في المقبل من هذا الموضوع بإذن الله . ويُرجع بعض الباحثين تفوق شعر الطبيعة الأندلسي على المشرقي لسببين:-

=====================
هامش:
(1) يقصد بالطبيعة الحية: كل شيء حي مما عدا الإنسان، من الحيوان والطير. ويقصد بالطبيعة الصامتة: الجمادات مثل: الحدائق والحقول والجداول والأنهار ...

من الشمال
18-08-04, 04:21 am
نشكرك كثيراً

مررنا على بعض النصوص من ذلك التاريخ الأدبي الزاهر

لكن لم نقرأ أي دراسة لفنونه وموضوعاته

لك فائق تقديري يا استاذ

ماجد الأول
18-08-04, 01:16 pm
( 2 )
يُرجع بعض الباحثين تفوق شعر الطبيعة الأندلسي على المشرقي لسببين:-
أولهما: طبيعة الأندلس الرائعة والخلابة، التي سحرت قلوب الشعراء، وأخذت بلباب عقولهم.
وثانيهما: حياة اللهو والمتعة، التي مارسها الشعراء في مجالس الأنس والطرب والشراب، وكانت الطبيعة مسرحاً لها.

ولعل أفضل التصنيفات الموضوعة، التي اتبعت لدراسة شعر الطبيعة ، هو تصنيف مصطفى الشكعة في كتابه (الأدب الأندلسي، موضوعاته وفنونه) حيث صنف شعرَ الطبيعة إلى خمسة موضوعات هي: الروضيات والزهريات والثمريات والمائيات والثلجيات. ولعلي أتبع هذا التصنيف؛ لأنه يحيط بالموضوع من أغلب أطرافه، ويساعد على طرح نماذج لهذا اللون الشعري في كل جوانبه.

الروضيات :
حين يعمد شاعر الطبيعة إلى وصفها، فهو أشبه ما يكون بالرسام الذي استحضر معه كل الأدوات والألوان البهيجة، حيث يجعل الشاعر من أبياته لوحة رائعة الجمال تأسر الأنظار، وتستأثر بالألباب. وشاعر الطبيعة أحوج ما يكون إلى هذا التلوين والتنويع في الروضيات، إذ إن الطبيعة فيها الخضرة والصفر والحمرة، وفيها الأغصان الغضة والسيقان المياسة. والشاعر الأندلسي أحسن في تصوير هذه الطبيعة، وكانت أدواته هي ألوان من البديع، من تشبيه، واستعارة، وجرس، وحسن اختيار للألفاظ الرقيقة العذبة.
هاهو ذا الشاعر الوزير عبد الله بن سماك يقول في وصف الرياض:


الروض مخضر الربي متجمل = للنـاظـرين بأجـمل الألوان
والطير تسجع في الغصون كأنما = نـَـقـْـر القيانِ حنـَـتْ على العيدان
والماء مُطرِدٌ يسيل لعابه = كسلاسل من فضة وجمان
بهجات حسن أكملت فكأنها = حسن اليقين وبهجة الإيمان
وهذا القاضي أبو الحسن بن زنباع، يصف روضة وما فعلته بها السحب، حيث لبست حلة جميلة، وتفتحت أزهارها ونضجت ثمارها يقول:


أبدت لنا الأيامُ زهرةَ طيبها = وتسربلت بنضيرها وقشيبها
واهتز عطف الأرض بعد خشوعها = وبدت لها النعماء بعد شحوبها
وقفت عليها السحْب وقفة راحم = فبكت لها بعيونها وقلوبها
فعجبت للأزهار كيف تضاحكت = ببكائها!، وتبشرت بقطوبها
وتسربلت حللاً تجر ذيولها = من لطمها فيها وشق جيوبها
فلقد أجاد المزن في إنجادها = وأجاد حر الشمس في تربيبها
وهذا ابن الزقاق يهتز طرباً للروابي والرياض المطلولة بالمطر، حيث توحي إليه بلحظات العشق وتباريح الغرام.


تأرج مطلول الروابي فزرتها = وأمثال هاتيك الربى يقتضي الـزَّوْرا
وأتحفني فيها الربيع بورده = عبيراً به الأنفاس إذ فتق النورا
حكت نفحةً ممن هويتُ ووجنة = فأنشـُـقها طوراً، وألثمها طورا.
ونلاحظ في البيت الثالث لمحة من مزج الطبيعة بالغزل، على نحو لم يعرف عند المشرقيين، وهذه الظاهرة تحدثت عنها مفصلاً في مكان آخر من هذا الموضوع، ربما لن يتسنى لي نشره.

والروضيات في الشعر الأندلسي وإن عدها البعض امتدادا للمدرسة الحلبية بدمشق، إلا أنها تميزت بوفرة الصور، وجزالة اللفظ، وأناقة في اختيار الألوان التي يلبسها الشاعر عمله الفني.

[line]

للموضوع بقية ..

الشجيّ
19-08-04, 02:08 pm
يبدو أنّنا أمام دراسةٍ ممتازة

طريقة تصنيف الدراسة و نمطها أعجبتني

و ترتيب الأجزاء في بداية الدراسة تدلّ على وعي بأطراف المادّة المدروسة
و هذا ما ينقص الكثير من الدراسات التي تُطرح في الأسواق فضلا عن تلك الموجود في المنتديات
لا زلنا في بداية الدراسة ..
لكن كما قيل " الكتاب باين من عنوانه "
و الدراسات أكثر ما تُقيّم على بداياتها و مقدمتها التي قد يغفل عنها الكثير ..
فالمقدّمة إنما هي ملخّصٌ كامل للدراسة المطروحة ..
ثم يأتي بعد ذلك دور الكاتب في ربط الموضوعات و سرد المعلومات في ثنايا الكتاب
هذه نظرة أوّلية ..
لم أُشبع نهمي بعد
لا زلت أقرأ و أُحاول سبر أغوار الحروف
سأُتابع الموضوع هنا حتّى نهايته
ثم سأطلب من كاتب هذه السطور ملفّاً مقروءاً يحوي هذه المادة الثمينة و لعله لا يبخل علينا بمثل هذا

أشكرك أخي على ما سجلته في ثنايا هذه الصفحة
و كما ذكرتُ أعلاه
هذا مرورٌ أوّلي
للتوثيق
و للدعم

طالبكم \\ الشجيّ

ماجد الأول
19-08-04, 02:33 pm
( 3 )
الزهريات
برز الأندلسيون في وصف الأزهار. وأكثروا من وصف زهرة بعينها، فوصفوا النرجس والياسمين واللينوفر والورد والقرنفل وغيرها مما وقعت عليه أنظارهم.
وقد ابتكر الأندلسيون أوصافا موضوعية جديدة، على نحو ما قاله ابن حمديس في رثاء باقة من الزهر أصابها الذبول، وهو يتألم حزناً وأسى على مُصابها فيقول:


يا باقة في يميني بالردى ذبلت = أذاب قلبي عليك الحزن والأسف
ألم تكوني لتاج الحسن جوهرة = لما غرقت، فهلا صانكِ الصدف
ويواصل ابن حمديس تجديده الموضوعي في وصف الزهر، فهاهو يهجو زهور الزينة الخالية من الأريج يقول:


وباقة مستحسن نورها = وقد خلت في الشم من كل طيب
كمعشر راقتك أثوابهم = وليس في جملتهم من أديب
ومن المعروف أن الشعراء الأندلسيين لم يعقدوا مجالس للزهور في قصائدهم؛ أي لم يجمعوها في قصيدة واحدة، وبينوا محاسن كل نوع فيها، وما يفضله الشاعر منها. وهذا ما عُرف به المشارقة. إلا أن ابن خفاجة جمع بين زهرتين حينما وصف الورد ونوار النارنج يقول:


وصدرُ نادٍ نظمنا = له القوافيَ عقدا
في منزل قد سحبنا = بظله العزَّ بُرْدا
قد طَنـَّـب المجد بيتا = فيهِ، وعرَّس وفدا
تذكو به الشهب جمرا = ويعبق الليل ندَّا
وقد تأرج نوْر = غضٌ، يخالط وردا
كما تبسم ثغر = عذب، يقبل خدا

ولعله لكثرة الورد في الأندلس، فقد شُغف به الأندلسيون أكثر من شغفهم بغيره من الأزاهير فهذا ابن أحد الملوك بالأندلس يرى ورداً كثيراً منثوراً على صفحة خليج تكسرت صفحاته بسبب الريح ويقول:


نثر الورد بالخليج وقد دَرَّ = جَ أمواهه هبوبُ الرياح
مثل درع الكمي فرقها الطعـ = ـن فسالت بها دماء الجراح

وعن الورد وغرام الأندلسيين به، وما قالوه فيه من شعر كثير أسوق هذه الطرفة التي توضح لنا مدى شغف الشعراء الأندلسيين بالورد. فقد مرّ المحدث أبو القاسم ابن ورد، ببستان لأحد الأعيان فيه ورد، فوقف بالباب وكتب إليه:


شاعر قد أتاك يبغي أباه = عندما اشتاق حسنَة وشذاه
وهو بالباب مصغيا لجواب = يرتضيه الندى. فماذا تراه؟

فعندما قرأ صاحب البستان البيتين، علم أنه ابن ورد فبادر إليه، ونثر من الورد ما استطاع بين يديه.

ومن الأزهار التي وصفها الأندلسيون زهرة الياسمين التي فتن بها بعض الخلفاء والأمراء، من بينهم المعتضد بالله عباد بن محمد بن عباد. فهاهو يشبهها بكواكب مبيضة في المساء، ويشبّـه شعيراتها الحمراء المنسرحة في صفحتها، بخد حسناء بدت فيه آثار العض :


كأنما ياسميننا الغض = كواكب في السماء تبيض
والطرق الحُمر في جوانبه = كخد حسناء مسَّـه عَض

وبعد، فإن الأندلسيين لم يدعوا أي نوع من الأزاهير، لم يطيلوا النظر فيه، على اختلاف في إعجابهم بأنواع الزهر، وقد قدم الأندلسيون من خلال وصف الأزهار صوراً أكثر نضارة، ولوحات جذابة، ميزتها الأصالة والبراعة.

[line]

...

الرمادي
19-08-04, 04:23 pm
أخي العزيز ماجد

موضوع شيق للغاية لايحتاج إلا أن تضع ناظرك على أول حرف لتجرك بقية حروفه حتى النهاية التي ننتظرها بفارغ الصبر

فسجلني واحدا من المتابعين بشغف كبير


ولك تحياتي ,,

ماجد الأول
20-08-04, 02:51 pm
( 4 )
الثمريات:
كما فـُـتن الأندلسيون بالروض والزهر. فتنوا بالثمرة الحلوة، التي تملأ العين سحراً والنفس بهجة وسرورا. فالتفاحة الناعمة الأرجة، والسفرجلة المغرية، والرمانة الحسنة. كلها كانت مصادر من مصادر الوحي والإلهام للشعراء الأندلسيين. وإن كانت لم تصل إلى الحد الذي فعلته الرياض والأزهار بهم.

وبالإضافة إلى الثمرة الطازجة ، وصف الشعراء الفاكهة الجافة، كالجوز مثلاً، كما امتدت قرائح الشعراء إلى وصف الخضروات التي تطهى، مثل الباذنجان. وقد وفق الأندلسيون في أكثر الأحايين فيما وصفوه من الثمار والخضر.

وكانت ثمرة النارنج أكثر الثمار سحراً لناظري الشاعر، خصوصاً إذا رآها وهي معلقة على أغصانها. ولذا جرت هذه الثمرة على ألسنة كثير من الشعراء كل يحاول رسمها، وهي محمولة على غصنها في صورة بديعة. هذا ابن خفاجة يؤكد هذا ويقول:


ومحمولة فوق المناكب عزة = لها نسب في روضة الحزن معرق
رأيت بمرآها المنى كيف تلتقي = وشمل رياح الطيب وهي تفرّق
يضاحكها ثغر من الشمس ضاحك = ويلحظها طرف من الماء أزرق
وتـُجلى بها للماء والنار صورة = تروق، فطرفي حيث يغرق يحرق
وقد كان للعنب حظ وافر لدى شعراء الطبيعة في الأندلس، وإن كان نصيبه قليل وهو عنقود كثير وهو معصور، لأن الشعراء اقتصدوا في وصف العنب عنقوداً كي يطنبوا في وصفه وهو خمرة. وعلى أية حال هذا وصف بديع لعنب أسود وقع عليه بصر الشاعر أحمد بن الشقاق وهو مغطى بورق أخضر فقال في هذا المنظر:


عنب تطلع من حشى ورق لنا = صُبغت غلائل جلده بالإثمد
فكأنه من بنيهن كواكب = كُسِفت فلاحت في سماء زبرجد
وهذا الشاعر أبو عثمان المصطفى يتأمل سفرجلة تأملاً داخلياً وخارجياً، ويخلع عليها من الصفات الإنسانية، وكأنها قناع لمحبوبته.


ومصغرة تختال في ثوب نرجس = وتعبق من مسك زكي التنفس
لها ريح محبوب وقسوة قلبه ولون = محب حُلة السقم مُكتسي
فصفرتها من صفرتي مستعارة = وأنفاسها في الطيب أنفاس مؤنسي
فلما استتمت في القضيب شبابها = وحاكت لها الأنواء أبراد سندس
مددت يدي باللطف أبغي اقتطافها = لأجعلها ريحانتي وسط مجلسي
يمضي الشعراء الأندلسيون قدماً في نسج الفكاهة والجدة حيث يتعرضون لوصف الخضر التي تطهى للطعام، مثل الباذنجان. هذا ابن صارة الشنتريني يصف الباذنجان ببراعة ويقول:


ومستحسن عند الطعام مدحرج = غذاه نمير الماء في كل بستان
أطافت به أقماعه فكأنه = قلوبُ نعاج في مخاليب عقبان
وخلاصة القول في ثمريات شعر الطبيعة الأندلسي، أنه تميز بكثير من الصور البهيجة المطعمة بالإطراف اللفظي حيناً، والمعنوي حيناً آخر، وعلى الرغم من ذلك فإن المشارقة كانوا أوفر نتاجاً، وأغنى صوراً في هذا المنحى بالذات من شعر الطبيعة، ولعل السبب في ذلك يعود إلى كون أرض المشرق كانت أوفر نتاجاً في الثمار بأنواعها من بلاد الأندلس. وإذا علمنا أن الشعر هو صورة للعصر الذي قبل فيه، وللبيئة التي قبل فيها، أدركنا صواب هذا الرأي.

[line]

...

ماجد الأول
20-08-04, 11:57 pm
( 5 )
المائيات:
إن مما حبا الله به بلاد الأندلس، تلك الأنهار الوفيرة المياه، التي أحيت جنبات الأندلس، ومدت رياضها بالخضرة الساحرة والجمال، وقد كانت أكبر مدن الأندلس تقع على ضفاف هذه الأنهار، مثل: أشبيلية وغرناطة، وقرطبة، فجعل الشعراء الأندلسيون يتخذون من ضفافها أماكن للهو والمتعة، ومن صفحاتها بساطاً تجرى عليه زوارقهم، وهم مع كل هذا يغنون ويطربون وتجود قرائحهم شعراً عذباً أخاذا.

وبسبب تطور الحضارة، أدخل الأندلسيون مياه الأنهار إلى قصورهم لتجري البرك الفخمة في أفنيتها من خلال أفواه التماثيل، فصار ذلك منظر أشعل خيال الشعراء، فتغنوا شعراً عذباً رقيقا في وصف البرك والتماثيل والقصور.

إضافة إلى تلك الأنهار تناثرت بأرض الأندلس أودية ممرعة خضراء، كانت تمتد على ضفاف الأنهار، اتخذ بعضهم منها سكنا، فتكونت بذلك مدن كانت آية في الحسن وجمال الطبيعة.

إن شعر الطبيعة الأندلسي في المائيات، لم يكن ليصل إلينا لولا إرادة الله ثم أن الشعراء قد تمثلوا تلك الأنهار الرقراقة والبرك المتناسقة والأودية البضة وما يتصل بها من مظاهر الطبيعة من شمس وقمر وصبح وليل ومد وجزر وفجر وأصيل. هذا أبو محمد بن صارة الشنتريني يحاول وصف بركة حوت سلاحف ويقول في ذلك.


لله مسجورة في شكل ناضرة = من الأزاهر أهداب لها وُطُف
فيها سلاحف ألهاني تقامصها = في مائها، وَلَها من عَرمَض لُحُف
تناقر الشط إلا حين يحضرها = برد الشتاء فتستدلي وتنصرف
كأنها حين يبديها تصرفها = جيش النصارى على أكتافها الجُحُف
وقد ولع الأندلسيون بوصف الأنهار على نحو لم يرد عند غيرهم حتى أنهم ولّدوا من وصفها صوراً عديدة كانت غاية في الروعة والجمال. هذا ابن خفاجة يرسم صورة رقيقة أنيقة للنهر، فيبدع فيها وكأنه يكتب أبياتاً غزلية لمحبوبته.


لله نهر سال في بطحاء = أشهى وروداً من لمى الحسناء
متعطف مثل السوار كأنه = والزهر يكنفه مَجر سماء
قد رق حتى ظُن قرصا مفرغاً = من فضه في بردة خضراء
وغدت تحف به الغصون كأنها = هُدْب يحف بمقلة زرقاء
والريح تعبث بالغصون وقد جرى = ذهب الأصيل على لجين الماء
ومن اللوحات الجميلة التي رسمها شعراء الأندلس في وصف الأنهار أبيات الرصافي الرفاء الذي يتألق ويبدع في وصف النهر، بما ألبسه من تشبيهات وبما أنعم عليه من ألوان الروعة والجمال يقول:


ومهدل الشطين تحسب = أنه متسيل من درة لصفائه
فاءت عليه مع الهجيرة سرحة = صدئت لفيئتها صفيحة مائه
فتراه أزرق في غلالة سمره = كالدارع استلقي بظل لوائه
أما عن الزوارق التي تملأ صفحة النهر فحدث ولا حرج، فالأندلسيون منحوا هذه الزوارق التي تمخر العباب من عنايتهم الكثير، وخلعوا عليها الصور البارعة، كيف لا وهي من أدوات متعتهم بالنهر في الفجر وأثناء الأصيل، بل لقد كانت مسرحا للعبهم ولهوهم:
ركب ابن صارة الشنتريني زورقاً في نهر أشبيلية ذات مساء، فألهمه الجو والنهر والزورق هذه الأبيات التي لا تخلو من روعة وغرابة في آن واحد.


تأمل حالنا والجو طلق = محياه وقد طَـفَل المساء
وقد جالت بنا عذارء حبلى = مَجَاذب مِرْطِها ريحٌ رخاء
بنهر كالسجنجل كوثري = تُعبس وجهها فيه السماء
ولو أردنا الحديث عن المائيات في شعر الطبيعة الأندلسي، لطال بنا الحديث، حيث إن الأندلسيين وصفوا كل ما له علاقة بالماء. فقد وصفوا البحيرات وسباق الزوارق! وظاهرة المد والجزر، والخلجان والغدران والدواليب التي تمتح الماء في الأنهار والجداول
ومجمل القول في شعر المائيات الأندلسي أن الأندلسيين قد أبدعوا أيما إبداع في شعر المائيات، حيث خصبت أخيلتهم وسخت عليهم قرائحهم، بالمعاني الزاخرة وبالأساليب المتقنة، وعمدوا إلى الإطراف والجدة من أجل أن يتميزوا ويفوقوا شعر المشارقة في هذا الموضوع إلا أنهم غفلوا عن روح الفكاهة والمرح التي امتاز بها شعراء المشارقة وعلى رأسهم الصنوبري.

...

ماجد الأول
21-08-04, 02:41 pm
( 6 )
الثلجيات:

http://majedawal.jeeran.com/snow.jpg

إن من أروع ما يقع عليه البصر، منظر الثلج وقد كسا الكون بردة بيضاءَ ناصعة. ومن رأى الثلج وهو يتناثر كالقطن من السماء، ثم رآه مجتمعاً على السفوح والسطوح والأغصان المتعرية، فيجعلها مكسوة بحلة بيضاء، يحس بمتعة وجمال، قد لا يتوفران له عند رؤيته لروضة، أو عندما يستنشق نسمات من عبير حديقة غناء.

وعندما نبحث في شعر الثلجيات الأندلسي، نجد أنه لم يلق من الاهتمام مثلما لقيه شعرهم في الروضيات والمائيات. ولعل خير تعليل لذلك هو أن الثلج له متاعب كثيرة: من سد للطرق ووخز للعظام بسبب البرودة، وتعطيل لنشاط الناس وعملهم، ولأضراره على النباتات والزروع وهذا على العكس مما يلبسه الربيع على الحياة من نعيم سرمدي.

على أية حال، بدأ شعر الثلجيات في الأندلس متأخرا. ولعل أول من أنشأ فيه هو
ابن خفاجة، الذي لم يصل إلينا من شعره في الثلجيات سوى قصيدة يتيمة، نسج فيها خيالاً متقدا غنياً بألوان من البديع، وهذا مألوف عند ابن خفاجة.
يقول ابن خفاجة في الثلج:


ألا فضلت ذيلها ليلة = تجر الرباب بها هيدبا
وقد برقع الثلج وجه الثرى = وألحف غصن النقا فاحتبى
فشابت وراء قناع الظلام = نواصي الغصون وهام الربى
ويعبر أبو جعفر المعافري عن مشاعره تجاه الثلج بأعمق تعبير، وأرق معنى، بغير غموض في العبارة ولا إغراب في اللفظ يقول:


ولم أر مثل الثلج في حسن منظر = تقر به عين وتشنؤه نفسُ
فنار بلا نور يضيء له سنا = وقطر بلا ماء يقلبه اللمس
وأصبح ثغر الأرض يفترّ ضاحكاً = فقد ذاب خوفاً أن تقبله الشمس
والحديث عن الثلج يقودنا بطبيعة الحال إلى الحديث عن البَرَد، والذي كانت حصيلته في الشعر الأندلسي قليلة كما هي في الثلجيات. ومن أرق ما وصف به البرد حين تساقطه والريح تطوح به هنا وهناك قول أبي بكر عبد المعطي بن محمد بن المعين وكان حديث السن:


كأن الهواءَ غديرٌ جمد = بحيث الـبُرُودُ تذيب الـبَرَد
خيوط وقد عقدت في الهوا = وراحة ريح تـَحُل العُقد
وهذا ابن حمديس الصقلي يصور البرد دراً على نحور الحسان، ويشبهه باللؤلؤ الذي أصدافه سحاب:


نـَثـَرَ الجو على الأرض برد = أي در لنـحور لو جمد
لؤلؤاً أصدافه السحْب التي = أنجز البارق منها ما وعد
وعلى أية حال فإن الثلجيات لا توضع في موضع الصدارة من شعر الطبيعة الأندلسي إن نحن قارنها بالروضيات، أو الزهريات أو المائيات التي هي لب شعر الطبيعة ومعدنه الأصيل.

الشجيّ
21-08-04, 06:31 pm
هل تحتاج مثل هذه المواضيع إلى التصويت بضرورة تثبيتها !!

أم أن المشرف يتحرّج من تثبيتِ موضوعه دون أن يُطالب الأعضاء بذلك ..

ثبّته - رعاك الله - فإن لم يُصلب مثل هذا على بوابة المنتدى فمن الذي يستحقُّ الصلب بعده !!!

ماجد الأول
21-08-04, 11:09 pm
إي والله إني أتحرج من تثبيت موضوعي لأنني أغفل كثيرا عما يستحق ذلك من مواضيع الأعضاء .. واليد الواحدة لا تصفق .!

يصلب هذا الموضوع بأمر الشجي .. :)

حتى يوم الأربعاء 9/7 (وهذه من عندي) إذا نسيت فذكرني ..

وعائد للرد عليكم ولتوضيح بعض الأمور - إن شاء الله تعالى -

ماجد الأول
22-08-04, 11:31 am
السلام عليكم

هذه المادة المعروضة هنا تمثل جزءا من بحث كان حول شعر الطبيعة الأندلسي، ويشكل ما نشر أعلاه فصلا من فصول البحث الذي تُحُدث فيه عن شعر الطبيعة عند الغربيين، وعن نشأته عند العرب، كذلك ضُمّن البحث نبذة تاريخية عن الأندلس وأخرى جغرافية، وشمل صورا من جمال الطبيعة هناك، وعن افتتان الشعراء بها. حتى قيل إن أهل الأندلس كلهم نظموا الشعر من وحي طبيعتهم ..!
أيضا ضمن البحث فصلا عن امتزاج شعر الطبيعة بغيره من الآغراض؛ حيث يمتزج مع الغزل والمدح والحنين بل حتى مع الرثاء .!
أيضا عقد فصل خاص بالمميزات التي امتاز بها شعر الطبيعة الأندلسي وميزته عن نظيره المشرقي.
وهذه المادة كتبت منذ سنوات - ليست بعيدة :) - لذا قد يعتريها ما يعتريها من خلل أو قصور وقد قام بكتابتها رجل يحترف كتابة البحوث ولم يكتب بقية البخث وإلا كنت نشرته لكم علما أن المادة الباقية من البحث تعادل 70 % منه تقريبا.

أشكر إخوتي (الشجي) و(من الشمال) و(ابن بية) و(الرمادي) على المتابعة التي شرفت بها منهم.
وإن كان لديكم ملاحظة أو وقفة أو استدراك أو وجهة نظر أو غير ذلك فالمكان مكانكم ونحن نسعد بطرحكم.

مع التحية ..